الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
27
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
لشيء آخر ، هذا وقد قال تعالى في حقهم : وقل ربّ زدني علما 20 : 114 ( 1 ) ، فكيف التوفيق بينهما ؟ أقول : إنهم عليهم السّلام لما بلغوا بالقيام بتلك الأمور إلى مقام الرضا ، علموا يقينا أنه تعالى لا يمنعهم من أن يمنحهم شيئا فرضوا به وتيقنوا بصدق وعده ، ولكن لما قاموا عليهم السّلام بصدق العبودية بين يديه تعالى بما هم فقراء إليه تعالى ، وبما تجلى لهم من عظمته تعالى لهم عليهم السّلام فلا محالة يسألونه تلك المنح بقاء وإبقاء لألطافه عليهم ، مضافا إلى أن جميع منحه لا تسعها الدنيا ، فلا محالة يسألونه تعالى منها تدريجا إنجازا لوعده . هذا مضافا إلى أنه يمكن أن يقال : إنهم في الوجود وعالم الإمكان بلغوا بسبب الرضا إلى غاية ما صدر عنه تعالى فهم راضون عنه تعالى ، إلا أنه حيث كان تبارك وتعالى غير متناه كما لا يخفى ، فلا محالة يسألونه دائما بلحاظ عدم نهايته تعالى ، وقد تقدم في شرح السلام والصلاة عليهم ما يوضح لك هذا المعنى ، فراجعه . وأما قوله عليه السّلام : " وسلمتم له القضاء ، " قيل : هذا من عطف اللازم على الملزوم ، إذ لازم البلوغ إلى مقام الرضا هو التسليم للقضاء ، كما دلّ عليه الحديث المتقدم ، إلا أن الظاهر من قوله : وسلمتم ، هو أنهم عليهم السّلام لم ينقدح في قلوبهم الشريفة حرج ولا شبهة ، ولا اعتراض بالنسبة إلى قضائه تعالى ، فهو حينئذ تأكيد لما سبق ، فتأمل . وأما قوله عليه السّلام : " وصدقتم من رسله من مضى " أقول : لعلَّه إشارة إلى أنكم أول مصداق لقوله تعالى : آمن الرسول بما أُنزل إليه من ربّه والمؤمنون كل آمن با لله وملائكته وكتبه ورسله 2 : 285 ( 2 ) فالإيمان بالرسل هو التصديق بهم لا بمجرد الإقرار بأنهم أنبياء ورسل ، بل بالأدلة القاطعة والحجج الواضحة كما دلت عليها كلماتهم عليهم السّلام في مقام الاحتجاج ، بل أظهروا المعجزات
--> ( 1 ) طه : 114 . . ( 2 ) البقرة : 285 . .